ما وراء الأزمات المصطنعة في الخليج؟

 

عرف البيت الخليجي أزمات متفاوتة خلال العقود الماضية حافظ من خلاله على وحدته رغم حدة بعض الأزمات والتدخلات العنيفة أحيانا ولكن هذه الأزمات أصبحت أكثر حدة بعد الربيع العربي وظهور تركيا كقوة إسلامية إقليمية موازية للنفوذ الإيراني، ومع وصول التيار الإسلامي السني إلى السلطة بواسطة الديمقراطية في أكثر من دولة عربية بعد الربيع العربي بدأ القلق الغربي والصهيوني يتصاعد من التكتلات السنية والعربية القوية وبدأت المؤامرات على تفكيك هذه التكتلات وتقوية النفوذ الإيراني تزداد يوما بعد آخر.


وبدأت المؤامرة باستكمال السيطرة الشيعية على العراق ولبنان وتوظيف جماعات العنف المخابراتية للقضاء على الثورة السورية والدعم السري والعلني الذي وفرته بعض السفارات الغربية والعربية للحوثيين في اليمن لإسقاط صنعاء في يد المليشيات الحوثية المدعومة من إيران للنكاية من تيار الإسلام السني المعتدل ودعم الانقلاب العسكري على الديمقراطية في مصر والتورط في دعم محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا.

 

وبعد فشل الانقلاب في تركيا أصبح الهدف الأول حاليا هو إنهاء كيان مجلس التعاون الخليجي. ولم يكن عفويا تزامن هذه الأزمات الحادة في البيت الخليجي مع قمم التعاون الأمريكية الخليجية. فلم تعد الإدارة الأمريكية معنية بأمن الخليج واستقراره ووحدته بعد التصالح مع المشروع الإيراني وتوقيع الاتفاقية النووية ورفع العقوبات. 

وتسارعت وتيرة الأزمة الخليجية بعد  قمة الرياض فشكلت هذه القمة النقلة الأكثر ديناميكة في تعقيد المشهد ليبدأ بعد زيارة ترامب العد التصاعدي لأزمة طاحنة وماحقة تستنزف دول الخليج وتصب في خدمة الخزينة الأمريكية والمشروع الغربي والإيراني.


‎ ولأن المشروع القائم على الأرض يمتلكه القوي صاحب الإستراتيجية ويحرك أدواته بذكاء لتحقيق مصالحه ويحققه الضعيف التابع بغباء ولو على حساب مصالحه ووحدنه واستقراره؛ فقد تمكن الغرب من توظيف دول الخليج لتحقيق أهدافه في تدمير وحدة البيت الخليجي نفسه في الوقت الذي يظهر فيه الغرب بمظهر المصلح والوسيط والحريص على وحدتنا واستقرارنا، حتى صدق علينا قوله تعالى "يخربون بيوتهم بأيديهم".


وها هو المشروع الغربي الإيراني الصهيوني يلتهم الدول السنية القوية ويفكك وحدتها ويغرقها في حروب وأزمات داخلية. ويبدو واضحا أن الهدف التالي بعد تفكيك مجلس التعاون الخليجي هو تصفية القضية الفلسطينية، وأما الهدف الثالث فهو إعاقة التحولات الديمقراطية في المنطقة أو أي ثورة شعبية محتملة بعد أن تأكد للغرب أن الإسلاميين هم المستفيد الأساسي من الديمقراطية وثورات الحريات وترسيخ حريات الإنسان. وفي حالة نجاح هذا المخطط سيأتي الدور على كل حكومة تحمل النفس الإسلامي السني. 


ولا مخرج من هذا المسار بدون التحرر من حالة التبعية الكاملة للمشروع الغربي وبناء مشروع إسلامي عربي بإستراتجية جادة وحقيقية لا مجرد بناء تحالف شكلي لمجرد المناورة كالتحالف الإسلامي السابق الذي سرعان ما ذاب ذوبان الملح في أول قمة أمريكية عربية "قمة الرياض" وغابت أهدافه وضاعت ملامحه.
 

وفي جميع الأحوال قد لا تبدو المؤشرات جيدة في ظل حالة الشلل الكبيرة التي يعاني منها المشروع السني المطروح على مشرحة التقسيم والتصفية، إلا أن تعقيدات الحياة السياسية تحمل دائما المفاجآت التي لا يضعها الساسة في الحسبان، فإرادة الله فوق كل شيء وما علينا إلا الاستمرار في العمل من أجل وحدة الأمة ونهضتها وتوعية الجيل الجديد بالتحديات والمخاطر المحدقة به ورسالته الحضارية وإعداده للتعامل مع جميع المستجدات المستقبلية.

وفي الأخير سيذهب الزبد جفاء ويبقى ما ينفع الناس وسيسجل التاريخ أدوار كل من سعى من أجل وحدة ونهضة الأمة وكرامتها واستقلالها وحريتها وكل من سعى في تفريق الكلمة وترسيخ التبعية وتدعيم أنظمة الاستبداد والفساد والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

رابط الموضوع: http://emasc-uae.com/news/view/9908