التحالف الذي يطلق الرصاص على قدميه

 

بدأ المخلوع صالح يلملم شتات حزبه المؤتمر الشعبي العام، استعدادا للعب دور سياسي عملت أبو ظبي على نسجه طيلة الفترة الماضية بالتنسيق مع نجل المخلوع الموجود في أبو ظبي منذ بدء تدخل التحالف العربي في اليمن في الـ 26 من شهر آذار/ مارس 2015.

نجحت الرياض في إبقاء موقفها غامضا تجاه مصير المخلوع صالح، على الرغم من التصعيد الذي تعمد أن يقوم به هذا الأخير تجاه السعودية، في وقت تجنب فيه إلى حد كبير ذكر الإمارات في خطاباته ومقابلاته التلفزيونية، وبدا معه سيناريو عودته إلى المشهد السياسي والسلطوي في اليمن أمرا مستبعدا من كثيرين، خصوصا وأن الرياض اتخذت خطوات متقدمة تجاه الحوثيين الذين يعتبرون أذرعه عسكرية خطيرة في أيدي خصمها الإقليمي اللدود إيران.

كان صالح قد ضمن خطوط نشطة مع المملكة، في الوقت الذي أبقى نفسه فيه بطلا قوميا في نظر القبائل اليائسة المتعلقة بتلابيبه في صنعاء ومحيطها.

واحتفى السفير السعودي محمد سعيد آل جابر بمنشق حوثي سابق جاء إلى الرياض من بيروت، ومعروف عنه ارتباطه الوثيق بالمخلوع صالح، وقدمه السفير على كل الشخصيات الثقيلة التي تسكن الرياض بصفتها من الروافع الأساسية للشرعية التي تمتطيها الرياض وصولاً إلى أهدافها الجيوسياسية الغامضة حتى الآن.

عبر هذا المنشق وغيره بقيت خطوط المخلوع مفتوحة مع الرياض على كل الاحتمالات، على أن أبو ظبي بدت أكثر وضوحا لجهة تبنيها نجل المخلوع صالح، وإصرارها على إعادته إلى صنعاء لينهض بدور مستقبلي، وهو ما كان يردده قادتها العسكريون في عدن وغيرها أمام زوارهم الجنوبيين.


يبدو أن الوعد الإماراتي بدأ يقترب من التحقق. فقبل يومين أطلق العميد أحمد علي عبد الله صالح الذي أمضى نحو عامين عبثيين في منصب سفير اليمن لدى الإمارات، نداء إلى أنصار المؤتمر الشعبي العام يدعوهم فيه إلى مواصلة مقاومة العدوان، ويقصد بذلك الحرب التي يشنها التحالف على الانقلابيين، والإمارات هي القوة الثانية في التحالف والأكثر تأثيراً على المستوى الميداني.

نداءٌ كهذا أرادت من ورائه أبو ظبي وبتنسيق مع الرياض أن تقدم نجل المخلوع هذه المرة قيادي بارزا في الحزب، ما يعزز من صحة الأنباء التي تحدثت عن عروض قدمتها أبو ظبي والرياض للمخلوع تطالبه بمغادرة النشاط السياسي وتسليم الحزب لنجله، وقد قبل بهذا العرض ولكنه أصر على البقاء في صنعاء وعدم مغادرة البلاد كما طلب منه.

وللمفارقة المخلوع صالح يخضع لعقوبات هو ونجله وزعيم مليشيا الحوثي بعض قادة المليشيا من قبل مجلس الأمن، من أهم بنودها المنع من السفر!

تقوم أبو ظبي وحاكمها الفعلي محمد بن زايد بدور بإعادة صياغة مستقبل اليمن، على نحو يتسم بالجرأة والوقاحة والصلافة وبقدر كبير من عدم الاكتراث تجاه تطلعات اليمنيين، ودونما اعتبار للتضحيات الجسيمة التي قدموها على مذبح الحرية والتغيير ودولة المواطنة التي ينشدونها.


بدأ الإعلام المرتبط بهاتين الدولتين الأساسيتين في التحالف العربي، بإرسال إشارات قوية بشأن الترتيبات المقبلة، فالصيغة تقضي على ما يبدو بتفويض معسكر المخلوع بإزاحة حلفائه المليشياويين الحوثيين، في صنعاء، في معركة تشمل أيضاً التخلص من الشركاء الميدانيين للتحالف في معسكر الشرعية وفي المقدمة منهم التجمع اليمني للإصلاح.

وهي صيغة تتسق مع أولويات كل من أبو ظبي والرياض، فالأولى هدفها الأساسي من التدخل العسكري في اليمن، هو استكمال مهمة الثورة المضادة والتي يتصدر أهدافها تقويض ثورة 11 شباط/ فبراير/ 2011 وحواملها السياسية وإعادة تمكين السلطة المطاح بها، وهي أهداف مشتركة تقريباً مع الرياض التي تركز كذلك على التخلص من الحوثيين، ومنع إيران من إنتاج حزب الله آخر عند حدودها الجنوبية.


أكثر من عامين حقق فيها التحالف إنجازات ميدانية مهمة، كان الفضل الأكبر في تحقيقها إلى الشركاء الميدانيين وكان لهم الفضل في تأمين هذا العمق الجغرافي الكبير، الذي مكن التحالف من تنويع خياراته حيال مصير الحرب والأزمة، دونما حاجة إلى الاتساق مع الأهداف التي جاء إلى اليمن أصلاً لتحقيقها، ودونما اكتراث بأولويات اليمنيين وحاجتهم إلى دولة قوية اتحادية ديمقراطية ومستقرة كتلك التي توافقوا عليها في مؤتمر الحوار الوطني الشامل.

في الواقع لا يمكن اعتبار ما يجري الآن مفاجئا فقد كان على الدوام جزء من سلوك التحالف وقيادته الأساسية ممثلة في الرياض وأبو ظبي.

فلطالما تلقى مقاتلو الجيش الوطني والمقاومة ضربات خاطئة في أكثر من محور، ولطالما تم استهداف مقاومة وجيش تعز ومحاصرتهما ومنع وصول الإمدادات العسكرية الفعالة إليهما.

ولقد مضت أبو ظبي في مهمة تأسيس تشكيلات عسكرية مليشياوية لا وطنية في المحافظات الجنوبية، تعمل وفق عقيدة عسكرية وأمنية تتفق وأجندة أبو ظبي، وأمعنت في إنشاء أحزمة سجون حول المدن هي اليوم مسرحا لأسوأ الممارسات القمعية والانتهاكات ضد حقوق الإنسان.


وتقريبا يبدو الأمر محسوما فيما يتعلق بمصير السلطة الشرعية التي منحت أبو ظبي والرياض فرصة التدخل العسكري في اليمن.. فالترتيبات تقضي بالإطاحة بالرئيس هادي الذي هدده ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد بإسقاط طائرته إن فكر بالعودة إلى عدن، في أعقاب زيارة فاشلة للرئيس إلى أبو ظبي أواخر شباط/ فبراير الماضي، انتهت بمشادات كلامية وتهديدات صريحة للرئيس، لم يتمكن بعدها من العودة إلى عدن حتى اليوم.


لكن إلى أي مدى يمكن للتحالف أو ما بقي منه أن يمضي قدما في مغامرته الخطيرة هذه، ومواصلة إطلاق الرصاص على قدميه على هذا النحو؟ وهل بوسعه أن يكمل مهمة إعادة هندسة اليمن وفق صيغة تفكيك كالتي نراها اليوم؟

إنها في الواقع الحرب الحقيقية التي يتعين على اليمنيين الاستعداد لها واستجماع إرادتهم الوطنية وإيمانهم القوي بدولتهم الموحدة لإفشالها.

رابط الموضوع: http://emasc-uae.com/news/view/8956