على وقع هزائم حفتر في ليبيا.... حملة تقودها أبوظبي والرياض ضد زعيم حركة النهضة التونسية

لم تمر ساعات على إعلان قوات حكومة الوفاق الليبية عن تحرير قاعدة الوطية العسكرية الاستراتيجية من قوات حفتر، وتوالي هزائم مليشيات حفتر رغم تزايد الدعم المالي والعسكري الذي تلقته هذه المليشيات من أبوظبي والقاهرة والرياض، حتى بدأت هذه الدول الثلاث بشن حملة كبيرة وغير مسبوقة ضد حركة النهضة التونسية ورئيسها راشد الغنوشي خلال الأيام القليلة الماضية، وهو ما أثار تساؤلات حول أهداف هذا الهجوم المنظم في هذا التوقيت بالتحديد.

 

 الحملة الواسعة النطاق التي تُظهر مقدار التداخل الهائل بين وسائل الإعلام في البلدان الثلاثة، والذي تقوم فيه الإمارات في الأغلب بدور الموجة في الأغلب، جاءت بعد انسحاب قوات حفتر من قاعدة الوطية، وبعد الإعلان عن قيام الغنوشي بتهنئة رئيس المجلس الرئاسي للحكومة الليبية فائز السراج، أمس الثلاثاء، على استعادة القاعدة العسكرية القريبة من حدود تونس.

واستنكرت حركة النهضة حملة التشويه والتحريض الممنهجة التي يتعرض لها عدد من قياداتها، وعلى رأسهم الغنوشي، وهو ما استدعى إصدار الحركة بياناً شديد اللهجة مساء الثلاثاء 19 مايو/أيار، أكدت فيه أنها ستتابع قضائياً كل الأطراف المتورطة في هذه الحملة التي وصفتها بالدنيئة والمغرضة.

 

البيان وإن لم يشر إلى هذه الأطراف، فقد أوضح أن هذه الحملة غير مسبوقة ومؤشر جدي على انزعاج هذه الأطراف من نجاح تونس في الحفاظ على استقرارها.

 

ونددت الحركة بالمدى الذي بلغته هذه الحملة، من إسفاف وأكاذيب لا تمتّ إلى الواقع بصلة، معتبرة أنها محاولة لبث الفتنة بين التونسيين، باستخدام مواقع مشبوهة وأقلام مأجورة، وأيضًا عبر فضائيات وشبكات إعلامية أجنبية معروفة بعدائها للتجربة الديمقراطية التونسية من دون مبرر.

 

واعتبر حزب النهضة  أن هذه الحملة غير المسبوقة "مؤشر جدي على انزعاج هذه الأطراف من نجاح تونس في الحفاظ على استقرارها، وسعيها المحموم والفاشل لإعادة إرباك تجربتنا الفتية وتشويه رموزها".

 

ولم تنسى النهضة أن تؤكد أنها لن تتأثر بهذه المحاولات اليائسة، وأنها متمسكة بمواصلة دورها الوطني، دفاعًا عن أمن تونس واستقرارها ونموذجها الديمقراطي، والوحدة الوطنية بين التونسيين والتونسيات، في مواجهة المؤامرات والأجندات المشبوهة التي تستهدف البناء الديمقراطي.

 

 

هذا البيان القوي لحركة النهضة، جاء عقب تحرك إعلام الإمارات بالقوة القصوى، وشنه حملة ممنهجة ضد الحزب وزعيمه الغنوشي، بالتزامن مع حملة داخلية تقودها رئيسة "الحزب الدستوري الحر" عبير موسي ضد الشخصية الأبرز في البلاد وصلت إلى حد اعتصامها داخل البرلمان التونسي.

 

الحملة الإماراتية، بدأت مباشرة بالتزامن مع دعوة لجهات مجهولة لتوقيع عريضة تطالب بالتدقيق في ثروة رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي تحت شعار: "من أين لك هذا؟ هذا السؤال الذي يفقد أحقيته حين يصدر من جهات مشبوهة ومعلوم للجميع نيتها وتوجهاتها، تحول إلى عنوان هجمة تستهدف التجربة الديمقراطية التونسية.

 

بمجرد إعلان هذه الدعوة في تونس، بدأت الإمارات حملة منظمة للترويج لهذه الاتهامات، مسخرة في ذلك إعلامها وإعلام الدول التي تشاركها التوجه على رأسها مصر والسعودية، دون أن تغفل وسائل التواصل الاجتماعي في تونس والعديد من الدول العربية، فاتحة المجال أمام ذبابها الإلكتروني للنيل من حركة النهضة وزعيمها.

 

بدل الحديث عن معاناة مواطنيها والمقيمين هناك، حوّلت الإمارات إعلامها والإعلام الخليجي والمصري العامل فوق أراضيها إلى منصة للتدخل في الشؤون الداخلية لتونس ونشر الإشاعات والأخبار الزائفة، فقد دأبت هذه الدولة الخليجية وإعلامها الموالي لها على تكييف الأحداث في مهد الربيع العربي وفق أجندات تخدم توجهها العام، فهي تلعب دورًا مهمًا في الاستقطاب الجماهيري إعلاميًا وتكيف الأحداث وفق زاوية نظر تخدم توجهها.

 

إعلام الإمارات تناول الاتهامات المتعلقة بثروة الغنوشي المزعومة كأنها حقيقة مطلقة، واحتفى بها كأنها انتصار كبير، حيث نشر موقع قناة "العربية" تقريرا بعنوان "كيف تحوّل راشد الغنوشي من مدرّس إلى أبرز أثرياء تونس؟".

 

وذهب موقع "العين" الإماراتي لعنوان أكثر إثارة "سياسة الغنوشي.. ثروة غامضة لرئيس "إخوان تونس" على حساب الفقراء"، وكتب نفس الموقع تقريرًا أخر بعنوان "ثروة الغنوشي تحت مجهر التونسيين.. من أين لك هذا؟"

 

وسبق الهجمة الإماراتية الشرسة على رئيس حركة النهضة، تصريح راشد الغنوشي بممتلكاته ومكاسبه مرتين في ظرف سنة واحدة وليس مرة واحدة.

 

المرة الأولى كانت يوم الثلاثاء بتاريخ 11 ديسمبر/ كانون الأول 2018 بمقر الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، أما الثانية فكانت يوم 12 ديسمبر/ كانون الأول 2019 لدى أعوان نفس الهيئة المنتصبين بمقر مجلس نواب الشعب وذلك إثر انتخابه نائبًا بالمجلس.

 

ولم تكتف الإمارات باستهداف الغنوشي إعلاميا فقط، فقد حركت " بيادقها" في الداخل التونسي أيضًا، على رأسهم النائبة عبير موسي، رئيسة الحزب الدستوري الحر، التي امتهنت المس من هيبة البرلمان وترذيل العمل السياسي في تونس.

 

وتم اختيار عبير موسي لهذه المهمة، لما عرفت به هذه المرأة التي كانت تشغل منصب أمين عام مساعد لحزب التجمع المنحل (حزب بن علي) قبل الثورة، فهي ضد الثورة وضد كل مخرجاتها، حتى إن مشروعها السياسي هو مواصلة للمرحلة التجمعية النوفمبرية التي تعتز وتتباهى بها.

 

ودخلت موسي في إضراب مفتوح بالمقر الفرعي للبرلمان، وهاهي اليوم تعلن عن عزمها البدء في إضراب جوع تدريجي رغم موافقة مكتب رئاسة مجلس نواب الشعب على أغلب مطالب كتلتها البرلمانية وأدان العنف ضدها.

 

وتصرّ عبير موسي، على استهداف الغنوشي وأغلب نواب البرلمان على رأسهم نواب النهضة وائتلاف الكرامة، لبث الفوضى في مجلس نواب الشعب، وتعطيل عمل لجانه وجلساته العامة، حتى لا يتم تمرير أي مشروع قانون.

 

هذا التعطيل لأعمال البرلمان - أعلى سلطة في تونس - الهدف منه ترذيل الحياة السياسية في البلاد تنفيذا لأوامر دولة الإمارات العربية المتحدة التي تكنّ عداء كبيرًا للتجربة الديمقراطية في مهد الربيع العربي، وتسعى جاهدة لإفشالها مهما كلّفها الأمر.

 

نشاط موسي داخل البرلمان وتعطيل عمله، وجد صداه في الإعلام الإماراتي ومن لف لفه، فقد أصبحت تلقى حظوة كبرى لدى العديد من الصحف والمواقع الإماراتية، حظوة تتنامى كلما طرحت اسم النهضة وزعيمها في ميزان التهم، ويتم الاحتفاء بها بقدر إشباعها للتهمة الموجهة للاثنين، ثم بقدر تعمير تلك التهم وانتشارها وإثارتها للجدل.

 

لم تكتف الإمارات بالسعي إلى تشويه النهضة ورئيسها وتعطيل عمل البرلمان فقط، بل تسعى أيضًا إلى ضرب المسار السياسي بأكمله، عبر الإذن لبيادقها في الداخل التونسي ببدأ العمل على بث الفوضى في البلاد واستهداف البرلمان والحكومة والعمل على إسقاطهما وتغيير دستور فبراير/شباط 2014.

 

تلقت البيادق الأوامر وبدأت التنفيذ، ووضعت لحملها شعار "ثورة الجياع"، من خلالها سيسعون إلى حل الأحزاب الحاكمة والبرلمان والمطالبة بمحاسبتهم، وتعليق العمل بالدستور ومراجعة قوانين ما بعد الثورة وإعادة صياغته والمصادقة عليه باستفتاء شعبي وتحرير الإعلام من هيمنة اللوبيات والولاء السياسي.

 

ويسعى رجال الإمارات إلى تكرار ما حصل صيف سنة 2013، واعتصام الرحيل الذي نظم أمام مقر المجلس الوطني التأسيسي التونسي الذي يُعد أعلى سلطة منتخبة في البلاد، وفي عدة مدن تونسية أخرى أبرزها سوسة وصفاقس، عقب اغتيال السياسي اليساري محمد براهمي، وذلك لإسقاط مؤسسات الدولة الشرعية.

 

ويقود هذه الحملة كل من نبيل الرابحي وفاء الشاذلي وعماد بن حليمة وثامر بديدة، وجميعهم مدعومين من الإمارات، هدفهم القيام بمحاولة انقلابية جديدة وذلك بشحن المواطنين ضد الدولة والحكومة والبرلمان، على أن توفر لهم الإمارات الدعم الإعلامي والمالي.

 

 

حتى الرئيس قيس سعيد لم يسلم منهم، فقد استثمرت الإمارات تخبطه وتصريحاته المتناقضة التي وترت الأجواء في البلاد، للتشكيك في حركة النهضة وقدرت رئيسها على تسيير البرلمان وقدرة الحكومة التي ينتمي أغلب وزراءها للنهضة في مجابهة مشاكل تونس.

 

وكان الرئيس قيس سعيد قد وصف في كلمة ألقاها بمناسبة تدشين مستشفى عسكري في محافظة قبلي، مشروع منع السياحة الحزبية بـ"الخرق الجسيم للدستور"، معبرًا عن أسفه للنقاشات المتصاعدة داخل أروقة البرلمان بشأنه، وهو الذي كان قبل وصوله للرئاسة يندد بهذه الظاهرة ويدعو لوضع حد لها.

 

ووجه سعيد في تصريحات مثيرة، اتهامات لأعضاء البرلمان، وطالب بالتفريق بين ما أسماه "الشرعية" و"المشروعية"، ولوح بنزع الشرعية عمن انتخبهم الشعب بالقول إن "الشعب قادر على سحب الوكالة ممّن خان الأمانة والوكالة".

 

استغلت دولة الإمارات تصعيد الرئيس سعيد في وجه نواب البرلمان وتصريحاته غير المناسبة، وبدأت في بث الإشاعات التي تهدف لإرباك الوضع السياسي في تونس، وضرب الوحدة التونسية، وتوتير الأجواء بين الرئاسات الثلاثة في البلاد.

 

فقد هنأ رئيس مجلس النواب التونسي راشد الغنوشي، أمس، رئيس المجلس الرئاسي للحكومة الليبية، فائز السراج، باستعادة قاعدة "الوطية" العسكرية الإستراتيجية، معربًا في اتصال هاتفي مع السراج عن "ارتياحه لعودة القاعدة القريبة من حدود تونس إلى الشرعية".

 

وتهدف الإمارات من خلال حملتها الأخيرة على الغنوشي الذي قاد هو وحزب البلاد إلى بر الأمان في السنوات التي أعقبت الثورة التونسية، إلى التشكيك في قيادات تونس الوطنية وأحزابها الرئيسية الداعمة للربيع العربي.

 

استهداف الإمارات للغنوشي وحزب النهضة عبر إعلامها وبيادقها، يتنزل في إطار استهداف كل من له صلة بالثورة التونسية، في مسعى منها للوقوف في وجه الديمقراطية الأبرز في العالم العربي، فالمسار السياسي في تونس والنجاحات التي حققتها لم ترق للإماراتيين عرابي الثورات المضادة.

 

 

ويبدو أن التحرك الإماراتي السعودي المصري المنسق والمرتبط بحلفاء داخليين في تونس يحاول إشغال الغنوشي في معركة جانبية حول ثروته المزعومة، لإضعاف أي دور له من شأنه إعادة توجيه السياسة التونسية لتصبح أكثر تقارباً مع حكومة الوفاق المعترف بها دولياً، وخصوصاً أن تونس وحكومة الوفاق كلاهما مستهدف من الثلاثي مصر والسعودية والإمارات، إضافة إلى خليفة حفتر، مهما حاولت تونس البقاء على الحياد.

رابط الموضوع: http://emasc-uae.com/news/view/17834