الإجراءات الموريتانية ضد الإسلاميين...استجابة لضغوط الإمارات وتكريس لنفوذها

رأي مراقبون في الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها السلطات الموريتانية ضد تيار الإسلام السياسي في موريتانيا استجابة لإملاءات إماراتية ضمن حربها العبثية ضد حركات الإسلام السياسي في المنطقة، وضمن مساعي أبوظبي لبسط نفوذها في أفريقيا.

هذه الدولة التي كان من المفترض أن تكون بعيدة عن الاستقطاب الإماراتي في أزمة أبوظبي مع تيارات الإسلام السياسي، ومع قطر وإيران؛ حضرت بقوة في أزمات أبوظبي، فنرى نواكشوط التي قطعت علاقتها بقطر في اليوم الثاني للأزمة الخليجية،  وقد أقدمت على إغلاق مركز تكوين العلماء المحسوب على المعارضة الموريتانية استجابة للرغبة الإماراتية في النيل من المحسوبين على الإخوان المسلمين، بل وصل حد تغلغل أبوظبي في الشأن الموريتاني إلى حد الانزعاج من سفر مسؤول حكومي موريتاني إلى قطر قبل أيام، بل إنها تمكنت بالفعل من منعه من المشاركة في برنامج حواري لقناة «الجزيرة».

 

بداية هذه الحملة جاءت بعد تصريحات الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز التي هاجم فيها حركات الإسلام السياسي  بالقول " الإسلام السياسي قضى على العالم العربي وجلب الويل والدمار لدول عربية كانت حتى وقت قريب آمنة.. وسوريا مثال على ذلك.. لم يحطمها البعثيون.. والحال اليوم يكفي" ، بحسب ما أورده تقرير لموقع "ساسة بوست".

 

لم ينتظر عبد العزيز كثيرًا لتنفيذ ما توعد به الإسلاميين في موريتانيا؛ فسرعان ما أغلقت سلطاته «مركز تكوين العلماء» الذي أنشأه العلامة الموريتاني الشيخ محمد الحسن ولد الددو عام 2007، بعد أن حاصرت المركز قوات تابعة لجهاز الأمن المركز، وأغلقت الطرق المؤدية إليه.

 

وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الموريتاني سبق وأن أغلق قبل سنوات جمعية «المستقبل» التي يرأسها الددو، ضمن إطار الحرب بين النظام الحاكم والمعارضة الموريتانية المتمثلة في التنظيم المحسوب على الإخوان المسلمين، حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية المعروف بـ«تواصل»، بل إن الحزب الحاكم الذي يفكر في حل «تواصل» بسبب شعبيته القوية ماض في تجفيف منابع الحزب؛ مما قد يقضي بإغلاق نحو 200 معهد إسلامي، تتهمها الدولة بنشر أيديولوجية «تواصل»، وخدمة أجنداته.

 

وقد شرعت الدولة بالفعل في إغلاق بعض هذه المؤسسات، ومن المفارقة أن الفترة الرئاسية الأولى لحكم عبد العزيز شهدت تقاربًا مع الإسلاميين، وخاصة مع الددو، لكن هذه العلاقة انفرطت عندما قرّرت أحزاب المعارضة النزول إلى الشارع ورفع شعار المطالبة بإسقاط النظام، ورغم فشل المعارضة في إسقاط النظام، إلا أن عبد العزيز لم يصفح عن الإسلاميين، وواصل سياسةً هجوميةً ضدهم.

 

ويقرأ المراقبون هذه التحركات الرسمية الموريتانية ضمن نطاق سلوك جهاز الأمن الإماراتي الذي مارس القمع ضد المثقفين والعلماء في الإمارات وخارجها، فحكومة أبوظبي التي تدفع لتثبيت النظام الموريتاني الذي حصل على فترتين دستوريتين. لا يحق له تجاوزهما؛ تعتبر الددو «الأب الروحي» لإخوان موريتانيا الذي تموله قطر، ليجيء إغلاق مركز الددو استجابةً لضغوط خارجية، وتحديدًا من السعودية والإمارات، ويأتي كذلك ضمن رغبة تلك الدول بإلحاق مستوى من الضرر بالشيخ، وهو أمر قد يسوق نحو المزيد من مضايقات بحق حزب تواصل والمعارضين الموريتانيين.

 

 

فبسبب حلول الإسلاميين في المرتبة الثانية في الانتخابات البرلمانية في سبتمبر (أيلول) 2018 . لم تهنأ الإمارات بفوز الحزب الحاكم، ولذلك مضت تحركات أبوظبي عقب هذه الانتخابات نحو شيطنة الأحزاب الإسلامية المحسوبة على تيار الإخوان المسلمين، والحث على حلّ كل ما له صلة بتيار الإسلام السياسي من مؤسسات إعلامية وثقافية ودعوية وعلمية وخيرية ومالية وسياسية.

 

لكن ما بات يؤكده العديد من المراقبين أن جهود منع تيار الإسلاميين في موريتانيا من التوسع أمام تجذّره الشعبي ستبوء بالفشل، لأن أيّ مسعى للتخلص من التيار عبر الاجتثاث ستكون كُلفته الأمنية باهظة، لكون موريتانيا لا تتحمّل تبعات سيناريو الاجتثاث مثل دول أخرى مجاوره.

 

«الحزب الحاكم في موريتانيا ينتزع مجلس بلدية نواكشوط من الإخوان»،«نتائج انتخابات موريتانيا تصفع قطر»، وغيرها من جمل الأخبار التي تُظهر مدى احتفاء أبوظبي بنتائج الانتخابات الموريتانية التي حصد فيها حزب الرئيس عبد العزيز «الاتحاد من أجل الجمهورية»، 22 مقعدًا نيابيًا تم التنافس للفوز بها في الجولة الثانية في سبتمبر الماضي.

 

 

لم تكتف الإمارات بهذا الاحتفاء، بل إنها أسقطت أسماء مئات الناخبين الموريتانيين من اللائحة الانتخابية المعتمدة للجالية الموريتانية في الامارات، ولم تعتمد سوى أقل من 200 صوت، رغم أن الجالية يبلغ عددها حوالى 5600 شخص، فيما سهل تسجيل الناخبين بجوازات السفر أن يتم كتابة أسمائهم ومعطياتهم التفصيلية بشكل يدوي، دون أن يتم إلحاق هذه المعطيات باللائحة الانتخابية الرسمية.

 

وبالانتقال لما يتيحه اتفاق إعارة القضاة الموريتانيين للإمارات الموقع بين أبوظبي والحكومة الموريتانية، حيث يزاول عدد من القضاة الموريتانيين عملهم في القضاء بدول خليجية منذ العام 2013، فهذه العملية من المفترض أن تتم وفق إجراءات تضمن احترام سيادة الدولة، عبر تقديم طلب إعارة بعض القضاة، ثم إرسال وفد بعد الموافقة لمقابلة القضاة الذين يرغبون في العمل، ويتم اختيارهم وفق معايير محددة.

 

لكن ما حدث في مارس (آذار) الماضي ويثبت حجم التغلغل الإماراتي داخل الجهاز القضائي الموريتاني أن الإمارات طلبت إعارة أربعة قضاة حددت أسماءهم والوظائف التي يعملون فيها، أحدهم من مقاطعة ألاك، وقاضى بنواكشوط الشمالية، وقاضى بمقاطعة روصو وآخر بمقاطعة وادي الناقة.

 

كذلك يُذكر تسليم الامارات أكثر من مرة معارضين مطلوبين إلى سلطات بلادهم، ففي ديسمبر (كانون الأول) 2017 رحلت الإمارات الشاعر الموريتاني عبد الله ولد بونا إلى موريتانيا وسلمته للأمن الموريتاني بعد أن اعتقلته مدة أسبوع، وذلك بعدما. سجل بونا قصيدة صوتية هاجم فيها بشدة الرئيس الموريتاني عبد العزيز وطالب بإسقاطه، وقبل أن يُعرف مصير بونا، قامت أبوظبي بترحيل أسرته قسريًا، ورحلت العائلة رغم احتمالية تعرضها للخطر، ولم يخل سبيل بونا إلا حين أرسل من سجنه قصيدة مدح فيها عبد العزيز في نهاية يناير (كانون الثاني) 2018.

 

 

في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) 2018، وفي موعد بث حلقة برنامج «الاتجاه المعاكس» تفاجأ المشاهدين بصورة الأمين العام المساعد للحكومة الموريتانية إسحاق الكنتي على كرسي الضيوف، وسرعان ما وضح مقدم البرنامج فيصل القاسم بأن الرجل قد وصل الدوحة وموجود في أحد فنادقها، إلا أنه رفض الحضور للبرنامج كما كان مخطط له، وبرر القاسم موقف الكنتي بأنه «هرب بعد أن أتته التعليمات من موريتانيا، وفضل البقاء في الفندق» ثم مضى في محاورة ضيفه المعارض الموريتاني.

 

 

لم ينته الخبر هنا، فقد أكدت وسائل إعلام موريتانية أن الإمارات غاضبة ومنزعجة من هذه الزيارة وتعتبرها كسرًا للحصار المفروض على قطر وقناة الجزيرة، والانصياع الموريتاني بمنع مشاركة الكنتي في البرنامج نابع من تأييدها لموقف دول حصار قطر منذ وقعت الأزمة في الخامس من يونيو (حزيران) 2017، عندما كانت موريتانيا من أوائل الدول التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع قطر؛ بعد يوم واحد فقط من إعلان كلً من السعودية والإمارات والبحرين ومصر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، وإغلاق منافذها الجوية والبحرية معها.

 

وقد برر بيان صادر عن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون آنذاك ذلك بأن «مواقف بلادها عكست دوما قناعتها الراسخة بضرورة تعزيز التعاون والتضامن بين الأشقاء، والتصدي لكل ما من شأنه تهديد الأمن والاستقرار في وطننا العربي، إلّا أن دولة قطر دأبت على العمل على تقويض هذه المبادئ التي تأسس عليها العمل العربي المشترك»، واتهم البيان قطر بـ«دعم التنظيمات الإرهابية، وترويج الأفكار المتطرفة، والعمل على نشر الفوضى والقلاقل في العديد من البلدان العربية؛ الأمر الذي نتج عنه مآسٍ إنسانية كبيرة في تلك البلدان وفي أوروبا وعبر العالم، كما أدى إلى تفكيك مؤسسات دول شقيقة وتدمير بناها التحتية».

 

 

بل ذهبت مصادر موريتانية للقول إن بلادها قطعت علاقاتها مع قطر، استجابة لضغوط إماراتية، وليست سعودية، وهي علاقات لن تعود إلا بعد انتهاء الأزمة الخليجية، ولكون العلاقات الموريتانية-الإماراتية الآن في أحسن أحوالها، فلن يُحرك الحزب الحاكم في موريتانيا ساكنًا تجاه زج الإمارات لقطر في الشأن الداخلي الموريتاني؛ إذ لا تكف الإمارات عن الترويج أن قطر تمول تنظيمات مشبوهة في موريتانيا، وتحرض على زعزعة الأمن في البلاد، وارتكبت تجاوزات كبيرة في حق موريتانيا منذ عام 2011 وحتى اليوم.

 

ضخت أبوظبي تحت عنوان التعاون الإماراتي الموريتاني وضمن اتفاقيات عدة أموالها بسخاء في جيب نواكشوط، ومن أبرز هذه الأموال ما قدم سنة 1979 لموريتانيا، إذ قدمت أبوظبي مبلغ 40 مليون درهم إماراتي لتمويل جزء من طريق «الأمل» الرابط بين كيفة والنعمة شرقي موريتانيا، وكذا القرض الذي حصلت عليه موريتانيا في عام 1980 من صندوق أبوظبي للتنمية على قرض بمبلغ 24 مليون درهم إماراتي لتمويل مشروعات واستصلاحات زراعية وبناء سدود.

 

 

 

ما بعد ثورات الربيع العربي كان الأمر أكثر دعمًا، وارتفع مستوى التعاون بين البلدين، مثل التعاون عسكريًا أو أمنيًا أو اقتصاديًا أو سياسيًا، فقد نشطت التجارة البينية بين الإمارات وموريتانيا، وبلغت هذه التجارة سنويًا 48 مليون دولار، فيما وصلت قيمة الشحن البحري من الإمارات إلى موريتانيا 78.8 ملايين دولار أمريكي، والشحن الجوي 3.5 مليون دولار أمريكي، وتصدير السيارات 6.7 ملايين دولار.

 

وعلى سبيل المثال، وقعت البلدين في 28 مارس الماضي عدة اتفاقيات لتطوير التعاون التجاري، في مجالات الطاقة والثروة الحيوانية وتكنولوجيا الإعلام، علاوة على تشكيل مجلس مشترك لرجال الأعمال، وكذلك وقعت نواكشوط في مايو (أيار) الماضي اتفاقًا للاستثمار الزراعي مع الإمارات يمكن الشركات الإماراتية به من تنفيذ مشروعات زراعية كبيرة، علاوة على قيام دبي على مجموعة من المشاريع الضخمة في موريتانيا، مثل تكفّل شركة «مجموعة الإمارات الاستثمارية»، بإعداد مخطط شامل لمدينة نواكشوط لعام 2020، وبناء شركة «مصدر» الإماراتية محطة للطاقة الشمسية.

 

وتجدر الإشارة إلى أن السعودية والامارات تدعمان تشكيل قوة عسكرية مشتركة في الساحل الأفريقي، لمواجهة النفوذ الإيراني المتنامي في غرب أفريقيا، وأن موريتانيا من بين الدول التي تعمل الإمارات على التعاون منها، بل إن أبوظبي وعدت بإنشاء «مدرسة حرب» في موريتانيا لتدريب القوات الموريتانية المشاركة في تلك القوة، وقد خصصت السعودية 118 مليون دولار، فيما قدمت الإمارات 35 مليون دولار لتمويل القوة العسكرية المشتركة، وسياسيًا تراجعت العلاقات الموريتانية الإيرانية في السنوات الثلاث الأخيرة بسبب التقارب الملحوظ لنواكشوط مع الرياض.

 

وعرف مسار العلاقة بين النظام والتيار الإسلامي في موريتانيا محطات عديدة من التقارب والخلاف منذ وصول ولد عبد العزيز إلى السلطة بانقلاب عسكري على الرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله عام 2008.

وكان حزب تواصل الإسلامي على رأس القوى السياسية الرافضة للانقلاب، وبعد اتفاق دكار وتنظيم الانتخابات الرئاسية أصبح الحزب من أوائل القوى التي اعترفت بالنتائج، حيث صنّف ضمن ما بات يعرف حينها بـ"المعارضة الناصحة"، غير أن التوتّر عاد من جديد في 2011 مع اندلاع الربيع العربي عندما رفع الحزب وبقية المعارضة شعار "الرحيل" في وجه الرئيس.

رابط الموضوع: http://emasc-uae.com/news/view/13170