حتمية إحياء النظام العربي

 

تتجاوز مساحة الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية 13 مليون كم2، ويقترب عدد سكانها من 450 مليون نسمة ويزيد ناتجها القومي 3 تريليونات دولار. ومع ذلك تميل موازين القوى الفاعلة والمؤثرة في منطقة «الشرق الأوسط» لغير صالح هذه الدول، بدليل:

 

1 - خسارة النظم العربية الحاكمة لمعظم جولات الصراع التي خاضتها في مواجهة إسرائيل واستمرار هذه الأخيرة في احتلال معظم الأراضي الفلسطينية وهضبة الجولان السورية.

2- تمدد النفوذ الإيراني عبر المنطقة ككل وتغلغله داخل عدد كبير من الدول العربية، خاصة في العراق ولبنان واليمن والبحرين.

3- بروز تركيا كقوة سياسية واقتصادية كبرى وتعاملها مع الدول العربية بعجرفة امبراطورية! لذا تبدو مجموعة الدول العربية، برغم كل ما تمتلكه من موارد وطاقات مادية وبشرية هائلة، كرجل المنطقة المريض الذي تتعجل دول الجوار وفاته طمعاً في تركته!

 

تحيط بالعالم العربي ثلاث دول إقليمية فاعلة لكل منها مشروعها الامبراطوري الخاص، هي إيران وتركيا وإسرائيل. وقد ظلت منطقة الشرق الأوسط ساحة للتنافس والصراع بين إيران وتركيا على مدى قرون طويلة، إلى أن دخلت إسرائيل حلبة المنافسة على هذا الصراع، كطرف ثالث.

ويلاحظ هنا أن التناغم بين سياسات الدولة الصهيونية الدخيلة على المنطقة وسياسات كل من تركيا (الأتاتوركية) وإيران (الشاهنشاهية) كان كبيرا تحت مظلة الراعي الأميركي في نظام عالمي أصبح ثنائي القطبية عقب الحرب العالمية الثانية.

 

كما يلاحظ أن مصر الناصرية هي التي قادت في مرحلة الخمسينيات والستينيات تياراً عروبياً تحمل عبء الممناعة لمشروع الهيمنة الغربي على المنطقة، غير أنه لم يتمكن من الصمود بسبب تناقضاته الداخلية والضغوط الخارجية، ومن ثم راح يتآكل تدريجياً إلى أن انهار تماماً.

حدثان كبيران أثرا بشدة على حركة موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط طوال العقود الماضية: ثورة إيران الإسلامية التي اندلعت نهاية سبعينيات القرن الماضي، ووصول تيار الإسلام السياسي إلى السلطة في تركيا في بداية القرن الحالي.

 

الحدث الأول أفرز نظاماً سياسياً شيعياً أساسه ولاية الفقيه، وأثار ولا يزال يثير هلعاً في المنطقة من احتمالات «تصدير الثورة»، وفجر سلسلة من التفاعلات انتهت بتدمير العراق وأتاحت أمام إيران فرصة كبيرة للتغلغل في أحشاء العالم العربي.

أما الحدث الثاني فأنتج تركيا جديدة، مستقرة سياسياً ومزدهرة اقتصادياً، راحت تطرح نفسها تدريجياً كإحدى القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة.

ولأن إسرائيل كانت أكثر القوى استفادة من الأعاصير التي هبت على المنطقة طوال العقود الماضية، فقد أصبحت الآن في وضع يغريها ليس فقط بالإصرار على تصفية القضية الفلسطينية نهائياً، وإنما أيضاً المنافسة بشدة على قيادة هذه المنطقة.

 

أما العالم العربي، والذي ساهمت «ثورات الربيع» في تعميق أزمته بدلاً من مساعدته على الخروج من إسارها، فكان الخاسر الأكبر وأصبح الآن محشوراً بين ثلاث قوى تحاول كل منها قضمه بطريقتها الخاصة.

لا تتيح الأوضاع السائدة حالياً في المنطقة فرصة حقيقية أمام أي دولة عربية للعثور على مخرج منفرد من المأزق. فالسعودية، أغنى الدول العربية، تواجه تحديات أمنية خطيرة على حدودها الجنوبية وتقود حرباً إقليمية مكلفة وغير مضمونة العواقب.

 

ومصر، أقوى الدول العربية، تواجه تحديات أمنية من جميع الجهات، وبقية الدول العربية مشغولة في معظمها بأزمات داخلية أو حروب أهلية ولم يعد شعار «مصر أولاً» أو «السعودية أولاً» يجدي نفعاً، فإما أن تنهض الدول العربية معاً أو تسقط معاً. لذا أصبح العالم العربي كالضلع المكسور في مربع القوى المتنافسة على قيادة المنطقة رغم أنه الوحيد الذي يملك قدرات تؤهله، إن أحسن توظيفها، للقيادة.

 

وبينما يروج البعض لفكرة أن إيران هي الخطر الأكبر على أمنه، بسبب نظامها الأصولي الطائفي، يروج آخرون لفكرة أن تركيا هي الخطر الأكبر، بسبب طموحات أردوجان الامبراطورية. واللافت للانتباه اختفاء الحديث عن إسرائيل كمصدر تهديد لأمن المنطقة رغم نظامها العنصري وطبيعتها التوسعية.

 

لم يعد أمام العالم العربي من باب للخروج من مأزقه الراهن إلا بالدعوة الجادة لبناء «نظام قومي» على أسس جديدة ومختلفة، يحترم الدولة الوطنية ويبني عليها لا على أنقاضها، يكفل حقوق المواطنة لا أن ينتهكها، ويشرك الشعوب في صنع مستقبلها عبر عملية تكاملية مخططة ومدروسة وليس نظاماً أبوياً يمسك بتلابيبه شخص يقرر وحده نيابة عن الجميع.

رابط الموضوع: http://emasc-uae.com/news/view/11427