ماذا تريد الإمارات والسعودية لتونس (2)؟

كنّا في الجزء الأول من هذا المقال؛ قد ذكرنا أنّ "المحور" الإماراتي السعودي ربط (بعد الثورة) علاقة شراكة استراتيجية بمكوّنات ما يُسمّى بـ"العائلة الديمقراطية"، باعتبارها حليفا موثوقا للتصدي لأية تغيرات جذرية قد تعصف ببنية/ علاقات السلطة والثروة في تونس، وفي باقي البلدان العربية. فقد تأكد لغرفة العمليات السعودية- الإماراتية أنّ التغيرات المتعاقبة في أكثر من دولة عربية، كانت تحمل إلى السلطة (بصورة"ديمقراطية") عدوّا "وجوديا" للقوى العلمانية وللوهابية السعودية وحليفها الإماراتي على حد سواء: إنه الإسلام السياسي في صيغته الإخوانية.

 

ذلك أنّ الحركات ذات الأصول الإخوانية تمثل، من جهة أولى، تهديدا جدّيا للنخب العلمانية التي استأثرت بإنتاج المعنى واحتكار السلطة والثورة منذ الاستقلال الصوري عن القوى الاستعمارية الكبرى. كما أن تلك الأحزاب الإخوانية تُمثل، من جهة ثانية، تهديدا كبيرا للسردية الوهابية السعودية المهيمنة على الفضاء السني، والمكرّسة للتعارض المطلق والماهوي بين الإسلام والديمقراطية، وهو تعارض متخيل وذو أصول استشراقية محافظة، ولكنه يخدم العلمانية والوهابية بصورة تجعل من تحالفهما، رغم كل التناقضات الظاهرية، متأصّلا في المستوى النظري قبل تأصّله في معطيات موضوعية وبراغماتية مباشرة.



ولذلك كله، لم يكن موقف هذا المحور بجناحية المحلي والإقليمي، من مخرجات الثورة التونسية مفصولا عن مواقفه من مجمل مخرجات "الربيع العربي"، وإن لم يكن في جميعها، بحكم بعض الاختلافات الجوهرية في الحالة السورية خاصة. ولمّا كانت استحقاقات الثورة التونسية (أو شعاراتها) تفيض عن المحلية لتحمل بعدا عروبيا، تجلّى فيما أعقبها من تحوّلات سلطوية جذرية بصرف النظر عن مسارتها ومآلاتها الحالية، فقد اعتبرت الإمارات والسعودية نجاح هذه الثورة تهديدا "وجوديا" لبنية سلطوية ذات شرعية تقليدية ما قبل حداثية.

وهو معطى يجب أن نستحضره دائما في فهم تحرّك القاعدة المتقدمة للمخابرات السعودية (والغرب)، أي فهم التحرك "المشبوه" للسلفية بجناحيها الجهادي والعلمي، بقصد ترسيخ الاستقطابات الأيديولوجية، وحرف الصراع عن مداراته الاقتصادية الاجتماعية.
 

 

وبحكم وجود تراث دولاني راسخ في تونس، فقد منع انبثاق النزعات الانفصالية، وبحكم انعدام أية انقسامات طائفية أو إثنية أو قبلية (كما هو الشأن في ليبيا أو اليمن أو سوريا)، وبحكم وجود جيش جمهوري يحمل عقيدة الولاء للوطن لا لمصالحه الفئوية (على عكس الجيش المصري) كان المتاح الأوحد أمام المحور الإماراتي السعودي هو استثمار الصراعات الأيديولوجية بين الإسلاميين والعلمانيين، وذلك أساسا عبر استراتيجيتين: أولا عبر تضخيم الخطر الإرهابي، بل صناعته على الأرجح عبر الاختراق الممنهج للتيارات السلفية الجهادية والعلمية، والعمل بعد ذلك على وسم كل الحركات الإسلامية بالتطرف وتغذية مشاعر الكراهية ضدها.

 

وثانيا، عبر الإضعاف الممنهج للحكم في مرحلة الترويكا، بقيادة النهضة، وإفشال أي تحالف أو شراكة استراتيجية بين الإسلاميين والعلمانيين. فما كان يريده هذا المحور، قبل أي شيء آخر، هو استدامة الصراعات الهووية- الثقافوية التي ستمكنه من تحقيق المكاسب التالية:



1- تجميع كل أعداء الإسلاميين، بصرف النظر عن منحدراتهم الإيديولوجية الأصلية، وتوحيد من قامت عليهم الثورة (التجمعيين وشبكاتهم الجهوية والزبونية) ومن قاموا بالثورة (بعض قوى اليسار السياسي والنقابي والجمعياتي)، ضمن سردية حداثوية أساسها "الدفاع عن النمط المجتمعي التونسي"، ضد التهديدات "الظلامية" و"الرجعية" (وبالطبع، لم تكن السعودية أو الإمارات مشغولتين حقيقة بما قد يُهدد هذا "النمط المجتمعي" من مخاطر، بقدر ما كانتا مشغولتين بما قد يمثله الانتقال الديمقراطي الطبيعي من خطر وجودي على النمط السلطوي القبلي السائد فيهما).


2- منع قيام كتلة تاريخية أو تحالف سياسي حقيقي بين الإسلاميين والعلمانيين، لتحقيق مقومات السيادة والتخلص من إذلال التبعية الاقتصادية والثقافية وقابلية "الاختراق" الذي كانت السلفية نفسها مظهرا من مظاهره قبل الثورة، وليس بعدها. وهي ملاحظة تجعلنا نميل إلى أنّ "المشروع" الإماراتي السعودي هو مشروع "بالمناولة"، وليس مشروعا أصليا. فالمستفيد الأكبر من الانتكاسة الديمقراطية، ومن ضرب المسار الانتقالي وحرف الصراع عن مداراته القيمية والاقتصادية، هو فرنسا أساسا.

 


3- شرعنة عودة المنظومة القديمة، بل شرعنة قيادتها للمعارضة (زمن الترويكا) ثم للدولة (بعد انتخابات 2014). فتضخيم الخطر "الإرهابي"، وشيطنة النهضة ومنعها من تحقيق أية شرعية في مستوى "الإنجاز" هما شرطا ضروريان، وإن لم يكونا كافيين، لعودة المنظومة القديمة برأسمالها البشري وعقلها السياسي؛ المسكون بالمنطق البوليسي حينا والمافيوزي حينا آخر.

 


4- استباق أي تحرك احتجاجي في السعودية والإمارات، وتقديم صورة كارثية للتحولات الجارية في المنطقة، وهو ما يُقلل من فرص "تصدير" الثورة التونسية (باعتبار الثورة مجموعة قيم ومفاهيم)، ويضعف من قوة جذبها للفئات المهمشة والمقموعة في ممالك النفط المعادية للربيع العربي.


5- تكريس التناقض الجوهري والمطلق بين الإسلام والديمقراطية، فالإسلامي هو إرهابي بالفعل أو إرهابي بالقوة.. وتجييش مشاعر الخوف لدى عموم المواطنين من كل الإسلاميين، بصرف النظر عن اختلاف مواقفهم من الديمقراطية أو الدولة أو باقي محددات العقل السياسي الحديث، وهي صورة نمطية ستُوظف في تبرير كل الانقلابات الحاصلة على صناديق الاقتراع في تونس أو في مصر وغيرهما.

ولا شك في أنّ الخطر الأكبر الذي تمثله حركة النهضة - مثلا - على الحداثيين التونسيين (وحلفائهم في الإمارات والسعودية) هو في تقديم نموذج لإسلام سياسي يكون جزءا من مشروع مواطني، إسلام سياسي غادر مربّع البديل عن القوى العلمانية إلى مربع الشريك لتلك القوى.

 


6- شيطنة كل القوى العلمانية التي اعترفت بالإرادة الشعبية، واعتبرت الإسلاميين شركاء، وليس مجرد مواضيع حقوقية أو ملفات أمنية، وهو ما يُفسر الحملة الشرسة على نداء تونس، ومن قبله على أحزاب المؤتمر والتيار والتكتل، وغيرها من القوى التي يُصرّ سدنة "الحداثة" المأزومة على حرمانها من صك الغفران "الديمقراطي"، لمجرد قبولها بالتعامل "الطبيعي" مع حركة النهضة.

 

ورغم كل ما يمكن أن ننتقد به العقل النهضوي (في مستوى التأسيس النظري أو الأداء السياسي)، فإنه بقبوله لتلك الشراكة قد أربك العقل السياسي "الحداثي" الذي هرع إلى شبكاته التفسيرية اللاوظيفية (وإلى حلفائه في المؤسستين الأمنية والإعلامية) لتبرير تخلفه عن استحقاقات الثورة من جهة أولى، ولتبرير رفضه لأية مراجعات نقدية حقيقية من جهة ثانية.
 

لو أردنا تحديد الهدف الأهم للحلف الإماراتي السعودي في تونس، لقلنا إنه إبقاء البلاد التونسية في حالة هشاشة قصوى؛ قد تتجاوز أحيانا مستوى الهشاشة الذي تريده لها القوى الدولية. فبعد الانقلاب العسكري في مصر، بدا جليا أنّ القوى الدولية لم تكن راغبة في تَونسة ذلك السيناريو، بل في توظيفه من أجل إعادة توزيع الأدوار داخل السلطة، وتحجيم حركة النهضة دون إخراجها من الحقل السياسي أو استهدافها أمنيا.

 

ومن الواضح أنّ الدور الذي يراد لتونس أن تلعبه؛ يستوجب حدا أدنى من الاستقرار والسلم الأهلية، مع ضعف اقتصادي بنيوي، وقابلية كبيرة للاختراق الاستخباراتي، وبالتالي قابلية كبيرة لفرض التوجهات العامة لسياسة البلاد داخليا وخارجيا. ولكن يبدو أنّ الحلف الإماراتي – السعودي (وحلفاءه في تونس) يريد تجاوز هذا السيناريو بالعمل على استهداف النهضة، والعودة بها إلى مربّع القمع النوفمبري في عهد المخلوع وشركائه في "العائلة الديمقراطية".


إنه سيناريو كارثي يبدو أنّ بعض القوى الاستئصالية والفرانكفونية تدفع نحوه، بتمويل وتحريض "دحلاني" صريح، وبتواطؤ مفضوح من بعض دوائر القرار داخل نداء تونس، ومن أغلب مكوّنات اليسار "الثقافي". كما يبدو أيضا أن تلك القوى "الحداثية" و"التقدمية"، وهي في حقيقتها قوى ارتكاسية انقلابية، غير مكترثة بالكلفة الكارثية لهذا السيناريو بشريا واقتصاديا واجتماعيا.

 

فقد سبق أن أعلن بعض رموزها، بلا مواربة، استعدادهم لقتل عشرين ألف نهضوي أو أكثر لإخراجهم من الحكم زمن الترويكا! وهو ما يدفعنا في نهاية هذا المقال إلى طرح السؤال التالي: ماذا أعدّت الدولة التونسية (قبل حركة النهضة وكل القوى العلمانية المؤمنة بالإرادة الشعبية وبضرورة التعايش والشراكة بين الإسلامين والعلمانيين) لمواجهة هذا الخطر "الوجودي" على الدولة ذاتها، وليس فقط على الحقل السياسي؟

رابط الموضوع: http://emasc-uae.com/news/view/10641