انفجار المشرق العربي

 

أستعيرُ هذا العنوان من كتاب الخبير الاقتصادي اللبناني المعروف، ووزير المالية في حكومة رئيس الوزراء الأسبق" سليم الحص"، الباحث "جورج قرم"، الموسوم "انفجار المشرق العربي"، الصادر في مجلدين عامي 1987 و1999، والمترجم إلى العديد من اللغات.

جدير بالإشارة أن السياق العربي الذي أعدَّ الباحث خلاله هذا الكتاب، تميز بأحداث عميقة وخطيرة في الآن معا، أبرزها الدخول في مفاوضات السلام مع إسرائيل، واجتياح هذه الأخيرة الأراضي اللبنانية (1982)، وغزو العراق للكويت، ثم حرب الخليج.

 

وإذا أضفنا متغيرا آخر من طبيعة دولية، نستطيع فهم لماذا تمّ اختيار عنوان "انفجار المشرق العربي".. يتعلق الأمر بانهيار الاتحاد السوفييتي، وتفكك المنظومة الاشتراكية عموما، والحال أن المشرق العربي كان أولى الساحات التي تأثرت بكل هذه التغيرات العميقة في الخريطة الجيوستراتيجية العالمية.

إنه المشرق العربي المُنفجر، المرشح للزوال وولادة مشرق عربي جديد، كما بشرت به الكتابات الأمريكية والغربية عموما؛ منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي

نستطيع الجزم بأن حال المشرق العربي اليوم لا يختلف عن ذاك الذي كتب عنه "جورج قرم" منذ عشرين عاما، بل نميل، دون تردد، إلى الإقرار بأنه في وضع أكثر تعقيدا وخطورة.. لا أدل على ذلك من بروز المسألة الطائفية واستفحالها، وتصاعد الإرهاب وتوسع رقعته المذهبية والجغرافية، وانهيار دولتي العراق وسوريا، والدور قادم على دول أخرى (اليمن، ليبيا)، وتراجع القضية الفلسطينية وانسحابها التدريجي من قائمة الأولويات القومية، وتعرض البناء الخليجي المشترك لأزمة سياسية قد تضعفه، إن لم توقف مسيرته.

 

وعبر كل هذه التغيرات وعلى قاعدتها؛ وُلدت محاور أكثر خطورة من تلك التي شهدتها المنطقة العربية في عقدي خمسينيات وستينيات القرن الماضي.. إنه المشرق العربي المُنفجر، المرشح للزوال وولادة مشرق عربي جديد، كما بشرت به عديد الكتابات الأمريكية والغربية عموما، منذ نهاية ثمانينيات ومستهل تسعينيات القرن الماضي.

لا شك أن الأزمة الأخيرة التي طالت منذ يونيو/ حزيران الماضي ما سمي "الرباعية العربية" (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) من جهة، وقطر من جهة أخرى؛ لم تكن حدثا عابرا أو منفردا، بل عبرت عن اصطفافات أريد لها أن تتشكل، إن لم تكن قد تشكلت فعلا، وكان يُراد منها حصريا دفع من بقي خارجها للانصياع والدخول في الصف.

 

وقد أبانت التطورات التي أعقبت اندلاع هذه الأزمة؛ عن عمق هذه الرؤية وتجلياتها، بل إن ما يعتمل داخل المملكة العربية السعودية من تغييرات لم يشهدها المجتمع السعودي إطلاقا من قبل؛ سيسرع اكتمال دائرة التحالفات، وربما يدفع بالمشرق العربي إلى الانفجار تماما. فهكذا، يمكن تحديد الاصطفاف الأول في محور إيران سوريا، معززا بأذرع في كل من لبنان (حزب الله)، والحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق.

 

طبعا تقود إيران هذا المحور وترسم استراتيجياته، مدعومة من روسيا على الصعد السياسية والاقتصادية والعسكرية، يناظره في الضفة المناقضة، محور المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة والبحرين، وجزء من اليمن بقيادة "عبد ربه منصور".. والحال أن المملكة العربية السعودية هي قائدة هذا المحور، وموجهة مواقفه وسياساته.

وإذا كانت صورة هذين المحورين واضحة بما يكفي، فإن المحور المكون أساسا من تركيا وقطر يبدو أكثر تعقيدا؛ بسبب أن تشكله كمحور جاء نتيجة ضرورة وضغط، أكثر منه اختيار مسبق، حيث إن المقاطعة التي أقدمت عليها الرباعية العربية في حق دولة قطر دفع بهذه الأخير إلى إدارة الأزمة وفق ما يفرضه الواقع، أكثر مما ترسمه الرغبة. ولعل الأمر نفسه ينطبق على تركيا التي تبحث منذ بداية الألفية الجديدة (2003) عن موقع قوي ووازن في المنطقة، بل تجهد من أجل أن تكون فاعلا إقليميا دون منازع.

نلاحظ أن الجسور بين هذه المحاور ليست مقطوعة، بل بالعكس، هناك حالات وأشكال من التلاقي والتعاون.


يعلمنا علم السياسة أن "السياسة فعل الممكن"، أو "فن تدبير الممكن". لذلك، نلاحظ أن الجسور بين هذه المحاور، لا سيما الأول والثالث، ليست مقطوعة، بل بالعكس، هناك حالات وأشكال من التلاقي والتعاون. نلحظ ذلك مثلا في التقارب الروسي الإيراني، والإيراني التركي، حيث تشكل الكثير من الموضوعات السياسية والاقتصادية والجيوستراتيجية قواسم مشتركة، من قبيل الملف الكردي بالنسبة لتركيا وإيران وسوريا، ومحاربة "داعشّ" في العراق وسوريا، والمنافع الاقتصادية المتبادلة في مجالات الطاقة والنفط والخدمات والسلع. ومن هنا نفهم أن سياسة المحاور ليست متأرجحة بين الأبيض والأسود، بل مفتوحة على أكثر من لون، أي أكثر من خيار.

يدفعنا التحليل أعلاه إلى التساؤل عن موقف القوى الكبرى من هذا الاصطفاف، لا سيما موقف الولايات المتحدة، التي لها مصالح حيوية مع الجميع، بما فيها إيران التي يجهد الأمريكيون من أجل أن تليّن سياستها وينتصر الإصلاحيون في ربوعها؛ كي تتصالح مع الغرب، وتندمج بسلاسة في منظومته، وهو في الواقع رهان سعت إليه القيادات الأمريكية منذ انهيار جدار برلين عام 1989.

 

الحاصل، أن أمريكا واعية كل الوعي طبيعة هذه المعادلة ودقتها، ومن أجل ذلك تتبادل الأدوار أحيانا بين مؤسسة الرئاسة والكونغرس، وتدعو صراحة أحيانا أخرى إلى لقاء الفرقاء، وتحاورهم من أجل إيجاد حلول مشتركة لأزمتهم الأخيرة، فليس في إمكان الأمريكيين ولا في مقدرتهم إبقاء سياسة المحاور الإقليمية في المشرق العربي تصل مداها، الذي هو الانفجار ليس إلا..

ومن هنا، نفهم القلق الواضح من قبل القوى الكبرى حيال ما يحصل في المملكة العربية السعودية، وبالإيقاع الذي يحصل به. فالتغيير مطلوب، لكن المطلوب أكثر؛ صحة الرؤية، وسلامة وسلاسة المنهج، وتقدير النتائج والمضاعفات الداخلية، والإقليمية والدولية.

رابط الموضوع: http://emasc-uae.com/news/view/10174