الإمارات وحملة استهداف السلفيين جنوب اليمن لصالح حلفاء جدد

مع مرور العام الثالث لبدء عمليات التحالف العربي في اليمن الذي تقوده السعودية بمشاركة الإمارات، تسعى  أبوظبي لتنفيذ عدة اجندات تتركز ببسط نفوذها في جنوب اليمن ومحاربة قوى الإسلام السياسي وإبعادها عن المشهد السياسي في اليمن، .

 و بات الخاسر الأكبر في هذه الحرب هو تلك الجماعات التي اندفعت للقتال في صف الحكومة الشرعية، والتي كانت قيادة "التحالف العربي" في بداية الحرب قد وجّهت الدعم العسكري والمالي بشكل مباشر لها، خصوصاً الجماعات الدينية من تيار السلفيين والإخوان المسلمين، على حساب بناء جيش يمني حقيقي.

الإمارات ومن خلال تدخلها العسكري لا سيما في الجنوب ركزت اهتمامها على مواجهة نفوذ التجمع اليمني للإصلاح ومحاولة إقصائهم عن المشهد السياسي من خلال الضغط على حكومة الرئيس هادي لعدم التعاون مع حزب الإصلاح أو من خلال حملات الاعتقال والاعتداءات التي كانت تنفذها ميليشيات ممولة من الإمارات، ومن خلال دعم جماعات دينية مناوئة لتجمع الإصلاح مثل التيار السلفي  حيث استطاعت أبوظبي كسب التبعية المطلقة لها من قبل هذه الجماعات التي استخدمتها لتشكيل أجهزة موازية لمؤسسات الدولة الأمنية لتنفيذ أجندتها، بعد أن استخدمت هذه الجماعات كوقود في الحرب.

 

لكن يبدو أن هذا الدور لم يشفع لهم لدى قيادة التحالف، ليبادلهم الوفاء ولو بالحد الأدنى، بتحقيق الأمن وتوفير الخدمات في عدن والمدن الجنوبية الأخرى، التي تشهد تحولاً غريباً في الموقف الإماراتي ـ السعودي غير المفهوم تجاه التيار السلفي الذي باتت رموزه تواجه مصيراً مجهولاً مع ظهور سيناريو جديد تنفذه الإمارات يهدف إلى التخلص من الحلفاء في الداخل، وعلى رأسهم السلفيون أنفسهم الذين أصبحوا هدفاً لهذا السيناريو الغامض.

 

حملة الإغتيالات

وقد تعرضت معظم قيادات الجماعات السلفية للاغتيالات والتصفية، وبعضهم تم إدراجهم في قوائم دعم الإرهاب كما حصل أخيراً مع تصنيف الحليف الأقوى للإمارات، الشيخ السلفي عادل عبده فارع (أبو العباس)، المدرج على قائمة داعمي الإرهاب بموافقة الإمارات والسعودية.

وعلى الرغم من اختلاف القراءات والتحليلات، حول ما تريد الإمارات فعله، وحول الجهة التي تقف خلف تصفية القيادات السلفية في محافظة عدن، التي تخضع أمنياً للسيطرة الفعلية لقوات الحزام الأمني التابع لها، إلا أن مراقبين يتفقون على أن جهة لها نفوذها في مدينة عدن متورطة في الاغتيالات التي تستهدف قيادات ورموزاً في التيار السلفي بصورة غير مسبوقة جعلت هذا التيار يعيش حالة رعب.

 

وعلى الرغم من الحديث الدائم لأمن عدن عن الإنجازات التي تحققت في مجال الحرب على الإرهاب، والتي حدَّت بشكل كبير من عمليات الاغتيال ضد منتسبين إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية، إلا أن عمليات الاغتيال توجهت أخيراً لتطاول رموز التيار السلفي.

 

وبدأت عملية الاغتيالات في مطلع العام الماضي عندما اغتال مجهولون في 31 يناير/ كانون الثاني 2016 إمام وخطيب مسجد ابن القيم، سمحان الراوي، أحد قيادات المقاومة الجنوبية في مديرية البريقة.

 

وتبعه اغتيال الشيخ عبد الرحمن العدني، أبرز شيوخ الدعوة السلفية، وإمام ورئيس مركز دار الحديث في منطقة الفيوش بلحج جنوبي اليمن. وحينها أعلن عن انقلاب سيارة منفذي الجريمة واعتقالهم، لكن لم تعلن نتائج التحقيق معهم، بعد نقلهم إلى دولة الإمارات.

 

 

وخلال الشهرين الماضين، ارتفعت وتيرة الاغتيالات بشكل أكبر وتعرّضت قيادات في التيار السلفي للاغتيال، منهم إمام وخطيب جامع الشيخ زايد، الشيخ ياسين الحوشبي، بعبوة ناسفة زُرعت في سيارته في مديرية الشيخ عثمان بعدن في 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وتبعته أكثر من ثلاث عمليات اغتيال استهدفت آخرها الشيخ السلفي عادل الشهري في 28 من الشهر نفسه.

 

ومع أن الجهة التي تقف وراء عمليات اغتيال الرموز السلفية في عدن لا تزال مجهولة، خصوصاً في ظل غياب أي تحقيق رسمي لسلطات عدن، إلا أن موجة الاغتيالات ضد السلفيين أعادت تسليط الأضواء على ملف الاغتيالات التي وقعت في عدن ضد أبرز رجال الدولة والمجتمع. كما جددت التساؤلات عن الجهة التي تقف وراء تلك الاغتيالات.

 

 وفي حديث سابق لنائب مدير أمن عدن، علي الذيب (أبو مشعل)، تبرز إجابة جزئية عن تلك التساؤلات، إذ تحدث الذيب عن أنه "اعتقل قيادات وعناصر متورطة في اغتيالات، وسلّمها لقيادة للتحالف، وفوجىء بإطلاق سراحهم". كما أن الكثير من الناشطين والسياسيين حمّلوا مسؤولية حوادث الاغتيالات وتصفية قيادة سلفية وزير الدولة السابق في حكومة الشرعية ورجل الإمارات الأول في الجنوب، هاني بن بريك.

ويعتمد هؤلاء الناشطون والسياسيون في إيراد قرائن تشير إلى تورّط بن بريك في عمليات كهذه. وفي هذا السياق، يقول الصحافي الجنوبي، عبد الرقيب الهدياني: "اغتيل الشيخ صالح حليس، وهو خطيب مسجد الرضا بالمنصورة، وبعد مقتله مباشرة تمّ الاستيلاء على منبره من قبل أتباع هاني بن بريك، وتم سجن إمام وخطيب مسجد أبو بكر الصديق، وجاءت المدرعات لتحمي الإمام الجديد الذي هو من أتباع هاني بن بريك.

وأضاف الهدياني، في منشور على صفحته على موقع "فيسبوك": "اغتيل الشيخ فهد إمام وخطيب مسجد الصحابة... انتظروا من سيستولي على مسجده لتعرفوا من المستفيد من تصفيته". وتابع: "مكتب الأوقاف في عدن والذي يقوده محمد الوالي (المعين من هاني بن بريك) لم يصدر أي بيان يستنكر فيه قتل أئمة وخطباء المساجد، باعتبار الأوقاف جهة مشرفة على المساجد، بل يسارع الوالي لفرض أئمة وخطباء كبدلاء للأئمة القتلى".

 

وذكر الهدياني أنّ 24 خطيباً وإماماً من خطباء المساجد في عدن معظمهم من الجماعة السلفية وغيرها، تمّ تغييرهم وتعيين بدلاء عنهم من قبل مكتب الأوقاف والإرشاد بالتنسيق مع رجل الإمارات هاني بن بريك. كما ذكر أن عدداً من رموز التيار السلفي تعرضوا للاعتقال، وفي مقدمتهم الشيخ السلفي عبد الله اليزيدي، والشيخ أحمد بن رعود.

 

وكان هاني بن بريك قد شدّد، في تغريدات على موقع "تويتر"، على ضرورة أن يتم تجريد "الجيش والداخلية والمساجد والقضاء من أي ولاء حزبي، فهي أساس استقرار المجتمع"، معتبراً أن الجمعيات الخيرية، المزعومة سلفية في اليمن، استطاعت أن تفعل ما لم تفعله الجماعة الأم من نشر الفكر التكفيري، وتأهيل الانتحاريين".

 

 وبعد هذا التحريض، اغتال مجهولون في 18 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، الشيخ فهد اليونسي، أحد قيادات جمعية الحكمة الخيرية التي وضعتها الإمارات والسعودية على لائحتهما للمنظمات الإرهابية.

 

وكانت الإمارات قد أجبرت عدداً من المشايخ والدعاة المناهضين لسلفية هاني بن بريك ومشروع تمكين الصوفيين تولّي زمام الخطاب الديني في مساجد الجنوب، على مغادرة عدن، منهم: أنور دحلان، جمال البكري، فيصل الأهدل، حسين بن شعيب، عمار بن ناشر والعشرات من المشايخ الذين أصبحوا تحت الإقامة الجبرية في الرياض وأبوظبي.

 

ويقول محللون إن هاني بن بريك مجرّد أداة لتنفيذ سياسة إماراتية في جنوب اليمن، تمثّلت في البداية باستقطاب السلفيين من خلاله واستخدامهم وقوداً للحرب، وبدأت الآن بالتخلّص منهم وتمكين المذهب الصوفي في الجنوب. ولأن السلفيين الذين يحاربون هذا المذهب يقفون حجر عثرة في طريقها، فعمل رجل الإمارات على التخلّص منهم بطرق مختلفة. ويذهب المحللون إلى أن هاني بن بريك اخترق السلفية وليس سلفياً، على حد زعمهم.

وينسجم مع ما ذكره محللون حول انتماء بن بريك، ما ورد في بيان سابق لعدد من مشايخ السلفية في مدينة عدن، كان قد حذّر من هاني بن بريك وشكك في سلفيته ودعا إلى مقاطعة محاضراته. وبعيداً عن الجهة التي تقف وراء تصفية رموز التيار السلفي في الجنوب، يبدو أن المحسوبين عليه يعيشون مأزقاً حقيقياً، في ظلّ عجز حكومة الشرعية عن توفير الحماية لهم من عمليات الاغتيال أو الاعتراض على تصنيفهم في قوائم الإرهاب.

 

 ويتحدّث متابعون عن أنّ الإمارات تعمل على تنفيذ مشروع تستبدل من خلاله حلفاءها في التيار السلفي بحلفاء جدد، مثل الصوفيين في عدن وجماعة العصبة في تعز والتي يقودها القيادي رضوان العديني المشتبه في ارتباطه بالأجهزة الاستخباراتية التابعة للانقلابيين.

 

 كما أن تصنيف القيادي السلفي أبو العباس كداعم للإرهاب يمهّد لتصعيد نائبه، عادل العزي، والذي يعد من خارج السلفيين وأكثر استجابة لتنفيذ أجندة الإمارات في تعز.

وأغرقت الإمارات نفسها في بحر من السياسيات المتلاطمة في اليمن، فمن الاتهامات بالسعي لتقسيم الدولة التي تشهد حرباً إلى رغبتها في فرز اليمنيين مناطقياً، للتمكن من التملك وحكم المحافظات الجنوبية؛ وهو ما يرفضه اليمنيون والتحالف العربي.

 

رابط الموضوع: http://emasc-uae.com/news/view/10158